حيدر حب الله

38

حجية الحديث

الثاني ، فإنّ الكلام في عنصر الضرورة الذي تعبّر عنه فكرة الاستحالة ، أي ضرورة العدم ، فيمكن تحقّق الصدف النسبية في كثرة كاثرة من ناحية الإمكان المنطقي ، وإن كان مستبعداً من ناحية الإمكان الواقعي ، وهو استبعاد قائم على المنطق الاستقرائي نفسه ، فالصحيح التعامل مع التواتر على أساس المنطق الاحتمالي لا المنطق البرهاني ، ويكفي الشك في هذه الكبرى لنسف أساس التفسير الأرسطي لفكرة التواتر ؛ إذ الشك معناه عدم وجدان العقل في قبلياته معطى من هذا النوع الكبروي الذي يدّعيه المنطق الأرسطي . تعليقات على محاولات بعض المعاصرين نقد الفهم الاحتمالي للتواتر وربما يمكن الانتصار للمذهب العقلي هنا من خلال ما قد يظهر من بعض الكلمات ، وذلك أنّه إذا تمّت الموافقة على إمكان كون الصدفة دائميّة أو أكثرية ، فهذا معناه عدم إمكان التوصّل إلى قانون العليّة ؛ إذ أيّ تعاقب نجده بين شيئين ولو متكرّرين لن يمكنه أن يثبت لنا علّية أحدهما للآخر أو معلوليّتهما لعلّةٍ ثالثة ؛ لأنّه من الممكن أن يكون اجتماعهما لآلاف المرّات معاً قد وقع صدفةً واتفاقاً ، وكثرتها أو حصولها على الدوام لا يمنع عنه مانع عقلي فيظلّ أمراً ممكناً ، وينتج عن ذلك انهيار مبدأ العليّة في العلوم والمعارف ! ! فمن خلال مبدأ العليّة نفسه وضرورات المحافظة عليه تثبت هذه القاعدة بوصفها من المعطيات العقليّة القبليّة ، بل إنّ احتمال العليّة معلول القبليات العقلية ومن دونها لا معنى له ، وهذا يعني أنّ قانون الاتفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً ليس سوى إعادة صياغة عقليّة لقانون العليّة نفسه ، فكيف نؤمن بالعليّة وننكره « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : محمد ناصر ، نهج العقل ، تأصيل الأسس وتقويم النهج : 311 - 312 ؛ وله أيضاً : مقالة : موجب اليقين في التجربة والتواتر ، مجلّة المعرفة العقليّة ، العدد 1 : 79 - 83 .